عبد الوهاب الشعراني
172
الجوهر المصون والسر المرقوم
الهدايا والتحف الإلهية ومنه يعلم أن النفس هدية اللّه تعالى إلى عبده وحقيقته المؤمن الفرد وللّه تعالى في كل نفس خاص زائد على حكم النفس الآخر فمن أدرك تلك الأحكام معينة في وجوده ذوقا فهو الحاضر في أنفاسه مع اللّه تعالى وأما علم هذا المقام دون ذوقه فيحصل لكثير من الناس وإنما الكلام في التحقق به ذوقا وهو علم شريف ومنها علم حضرات الحياة المضافة إلى الأكوان ومنه يعلم أن للآثار وجهين وجه إلى المؤثّر ووجه إلى المؤثّر فيه فالوجه الذي هو من قبيل المؤثر حي لتحققه بحياة المؤثر القيوم ولذلك كانت الآثار كلها حية مسبحة والوجه الآخر به كمال حياتها وبه يرفع العبد إلى ملكوت من أحياه ومنها علم حضرات الأسفار ومنه يعلم أن السفر دائم في حق كل من له أجل لأن اللّه تعالى خلق العالم على عدم الاستقرار فهو مسافر أبدا لا سيما الإنسان فإنه لا يزال مسافرا إما بروحه ففي كل نفس وإما بجسمه ففي أغلب أوقاته وهو مجبول على الحركة فإن تعود الفتور والكسل تعطل سفره في شهوده ومنها علم حضورة الشهود الذوقى ومنه يعلم أنه إذا تمكن صاحبه في مقامه صارت عين المقام له مشهودة والأشياء تطرأ على مقامه فيظهر المقام فيها حكمه وكان هذا حال أبى بكر الصديق رضى اللّه عنه وهو لمن ورثه من بعده إلى يوم القيامة وانظر إلى قوله ( ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه قبله ) وهذا من شدة قربه وتمكينه في المقام رضى اللّه عنه فكانت الحضرة مشهودة والشهود كلها تمر عليه عرضا وكان عمر رضى اللّه عنه ليست له هذه المرتبة فكانت الأشياء تمر عليه أولا ثم تنتج له بشهادتها ما أودع فيها من السر الإلهى ولذلك كان يقول ( ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه بعده ) ومنها علم حضرة عذاب المقربين في الدنيا وملخص القول فيها أن النار للعارفين بمنزلة الأمراض فكما أنه تعالى ابتلاهم بالأمراض لتمحص عنهم مع قطعنا أن المرض لم يحطّ العارف عن مرتبته فكذلك حكمه إن قدر عليه بالنار ومنه يعلم عدم تسليط النار على أرباب الأحوال وانزواء جهنم منهم وقولها لهم أطفأ نوركم لهبى وأن العارف إذا دخل الجنة يتراءى لصاحب الحال كما يتراءى الكوكب الدري لأهل السماء فيتمنى أن تكون له مرتبة العارف